الشيخ محمد رشيد رضا
306
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المرأة الظن بنفسها فتتوهم أن جعل الرجل رئيسا عليها يقتضى أن يكون أرفع منزلة عند اللّه تعالى منها . وقد بين تعالى علة هذه المساواة بقوله بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل فلا فرق بينهما في البشرية ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال ، أي وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق أقول : وفيه وجه آخر ، وهو أن كلا منهما صنو وزوج وشقيق للآخر وفي معنى ذلك حديث « النساء شقائق الرجال » قالوا : أي مثلهم في الطباع والاخلاق كأنهن مشتقات منهم ؛ أو لأنهم معهم من أصل واحد . ووجه ثالث : أنه بمعنى حديث « سلمان منا » وحديث « ليس منا من دعا إلى عصبية » فمعنى « منا » : على طريقتنا وما نحن عليه لا فرق بيننا وبينه . وهذه الآية ترفع قدر النساء المسلمات في أنفسهن وعند الرجال المسلمين . ومن علم أن جميع الأمم كانت تهضم حق المرأة قبل الاسلام وتعدها كالبهيمة المسخرة لمصلحة الرجل وشهوته وعلم أن بعض الأديان فضلت الرجل على المرأة بمجرد كونه ذكرا وكونها أنثى ، وبعض الناس عد المرأة غير أهل للتكاليف الدينية ، وزعموا أنها ليس لها روح خالدة ، - من علم هذا قدر هذا الاصلاح الاسلامي لعقائد الأمم ومعاملاتها حق قدره وتبين له أن ما تدعيه الإفرنج من السبق إلى الاعتراف بكرامة المراة ومساواتها للرجل باطل . بل الاسلام السابق . وإن شرائعهم وتقاليدهم الدينية والمدنية لا تزال تميز الرجل على المرأة . نعم إن لهم أن يحتجوا على المسلمين بالتقصير في تعليم النساء وتربيتهن ؛ وجعلهن عارفات بما لهن وما عليهن ؛ ونحن نعترف بأننا مقصرون تاركون لهداية ديننا حتى صرنا حجة عليه عند الأجانب وفتنة لهم . وأماما يفضل به الرجال النساء في الجملة من العلم والعقل وما يقومون به من الأعمال الدنيوية الذي ربما كان سببه ما جرى عليه الناس من أحوال الاجتماع وكذا جعل حظ الرجل في الإرث مثل حظ الأنثيين لأنه يتحمل نفقتها ويكلف ما لا تكلفه فلا دخل لشئ من ذلك في التفاضل عند اللّه تعالى في الثواب والعقاب والكرامة وضدها بل سوى اللّه تعالى بين الزوجين حتى في الحقوق الاجتماعية إلا مسألة القيام والرياسة فجعل للرجال عليهن درجة كما تقدم في سورة البقرةص 377 ج 2 تفسير )